مع تشريف القائد العظيم، الإمام الخميني (قدس سره)، انتهى اعتصام رجال الدين في مسجد جامعة طهران. وقد رأى المعتصمون، في ختام اعتصامهم الظافر، من الواجب أن يتقدّموا بخالص الشكر والامتنان إلى الطلاب والأساتذة وأمانة الجامعة على حفاوة الاستقبال الصادقة وغير المشروطة، وكذلك على تعاون وتضامن مختلف فئات الشعب، والشخصيات، والمجموعات العلمية والاجتماعية. وفي هذه الساعة التي نغادر فيها الحرم المقدّس للجامعة، وننضمّ أمام البوابة الجنوبية للجامعة إلى صفوف المستقبلين في مسار الإمام، نعلن مرةً أخرى أنّ نضالنا وجهادنا سيستمران بلا هوادة حتى تحقيق النصر النهائي.
بوابة الإمام الخميني (قدس سره):
في يوم الأربعاء الموافق 11 بهمن، قرابة الساعة العاشرة ليلاً، كان الإمام ومرافقوه قد استعدّوا للحركة. وبعد منتصف الليل أقلعت «رحلة الثورة» من مطار باريس الدولي. وقد غادر الإمام قرية نوفللوشاتو متوجهاً إلى المطار وسط دموع الفرح والتأثّر لفراق أهلها. وفي تمام الساعة الرابعة فجراً بتوقيت طهران، أقلعت الطائرة من مطار باريس متجهةً إلى إيران.
وكان على متن الطائرة، إضافة إلى أصدقاء ورفاق الإمام الخميني، صحفيون من وكالات الأنباء، وفرق تصوير سينمائي، ومصوّرون فوتوغرافيون، وممثلو وسائل الإعلام العالمية. وفي أثناء رحلة باريس–طهران أُجري حوار مع سماحة الإمام. وكان سؤال الصحفي:
«سماحة آية الله، بعد كل هذه السنوات (14 سنة) من العودة إلى الوطن، ما هو شعوركم؟»
فأجاب الإمام: «لا شيء».
كانت إجابة الإمام مفاجِئة. وقد صُدم السيد قطبزاده، الذي كان يقوم بدور المترجم، فبدلاً من ترجمة كلمة «لا شيء»، نقلها إلى الفرنسية على النحو التالي:
«آية الله ليست لديه وجهة نظر خاصة».
وقد قدّم الكتّاب والمفكّرون تفسيرات متعدّدة لهذه الإجابة.
وقال لاحقاً المرحوم حجة الإسلام والمسلمين الحاج السيد أحمد الخميني:
«الإمام عارف، وكما أنّ المطار الخالي من جماهير الاستقبال في مدينة أنقرة (تركيا) في آبان 1343، عند بدء نفيه، لم يُشعره باليأس، كذلك لم تُثر فيه الملايين التي استقبلته في مطار مهرآباد في بهمن 1357 (۱۹۷۸م) نشوةً أو انبهاراً».
لقد كان الإمام، طوال حياته، وفي جميع مراحل النضال والنجاحات التي تحقّقت بقيادته للشعب الإيراني المسلم المجاهد، ينسب كل ذلك إلى الألطاف الإلهية، ويعتبر إرادة الله تبارك وتعالى العامل الأساس في الانتصارات والنجاحات، ولم يكن يمنح لنفسه أو لغيره أي شأنية خاصة. كما قال بعد تحرير خرمشهر، الذي دوّى صداه في العالم كالصاعقة:
«خرمشهر حرّرها الله».
وفي تاريخ 10 مهر 1358(۱۹۷۹م) ، قال الإمام في لقاء مع أعضاء الحكومة المؤقتة، أثناء حديثه عن ذكريات هجرته من العراق:
«… لم يكن لدينا أي قصد للذهاب إلى باريس. كانت هناك أمور لم تكن لإرادتنا أي دخل فيها. كل ما كان، وكل ما هو كائن حتى الآن، ومنذ البداية، كان بإرادة الله. أنا لا أعتبر لنفسي شيئاً قمتُ به بجهدي الخاص، ولا أرى لنفسي مقاماً خاصاً، ولا أراه لكم أيضاً. كل ما هو موجود فهو منه. أمور تحدث لم تخطر ببالنا أصلاً، ومع ذلك كانت تقع ونرى لها نتائج».
احتمال حدوث اضطراب عند دخول الإمام
كان يُحتمل أن تقوم حكومة بختيار، على الرغم من موافقتها الظاهرية على دخول الإمام إلى إيران، بإحداث عراقيل أمام هبوط الطائرة. وكانت طائرة «إير فرانس» محمّلةً بوقود احتياطي، وتحمل عدداً أقل من الركّاب؛ إذ كان عدد ركّاب رحلة الثورة 150 شخصاً، أي نحو نصف سعتها.
في البداية قرّر بختيار بثّ مراسم دخول الإمام عبر التلفزيون، وكان الهدف واضحاً: تقليل حجم الجماهير في شوارع طهران. غير أنّهم في اللحظات الأخيرة منعوا البث، الأمر الذي أدّى إلى زيادة السخط والاشمئزاز وحدوث توتّرات أشدّ.
----------
القسم العربي، الشؤون الدولیة.