لماذا لا يمتلك شباب الجيل الثالث من الثورة معرفةً كافيةً بالإمام؟

ID: 86114 | Date: 2026/06/22

قد لا يوافق بعض الأشخاص على أصل هذا السؤال، إذ يرون أن الجيل الثالث أكثر معرفةً بالإمام الخميني (قدس سره) من الجيلين الأول والثاني. ويستندون في ذلك إلى جملة من الأسباب، منها:


أن هيئة الإذاعة والتلفزيون قد أنتجت وبثّت برامج كثيرة، ولا سيما في مناسبات مثل انتصار الثورة الإسلامية وذكرى رحيل الإمام، مما أسهم في التعريف به على نطاق واسع.


أن مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني (قدس سره) لم تقتصر على نشر مؤلفاته، بل أصدرت أيضاً كتباً عديدة ألّفها باحثون ومفكرون حول جوانب من فكره أو سيرته، إضافة إلى إصدار مجلة «حضور» الفصلية. كما قامت، لأكثر من عقد من الزمن، بنشر مجلات مخصصة للأطفال والناشئة لتعريفهم ببعض أفكار الإمام.


وتُدرَّس في الجامعات مادة وصية الإمام ومادة الثورة الإسلامية، فيتعرّف كل طالب يجتاز هاتين المادتين على جانب من أفكاره.


إن كثرة الرسائل الجامعية التي تتناول أبعاداً من فكر الإمام مقارنةً بموضوعات أخرى تدل على أن النخبة الأكاديمية على معرفة بأفكاره.


لقد نظّمت مؤسسة الجهاد الجامعي، حتى سنوات قريبة، مؤتمرات وندوات عديدة في معظم جامعات البلاد، قدّم خلالها أساتذة أخصّائیّون جوانب مختلفة من فكر الإمام إلى الجيل الجديد.


وتقيم مؤسسات الثورة، مثل التعبئة (البسيج) والحرس الثوري، معسكرات وأنشطة تعليمية للطلاب والتلاميذ بهدف التعريف بفكر الإمام والثورة.


وتوجد في مدينة قم مؤسسة كبيرة تحمل اسم الإمام الخميني، يعمل فيها عدد كبير من طلبة العلوم الدينية على دراسة مبانيه الفقهية والفلسفية.


كما قامت منظمة العلاقات الإسلامية ووزارة الخارجية بتنظيم برامج داخل البلاد وخارجها للتعريف بالإمام لدى الإيرانيين وغيرهم.


ويتحدث كثير من العلماء والخطباء في المساجد ومراكز التعبئة في مختلف المناطق عن الإمام في المناسبات المختلفة، كما تنشر الصحف والمجلات موادا عنه، وتُدرج بعض أقواله في المفكرات السنوية واللوحات الإعلانية.


وبموجب قانون أقرّه مجلس الشورى الإسلامي، يتعين على كل مؤسسة حكومية تمتلك قسماً ثقافياً أن تخصص جزءاً من ميزانيتها للتعريف بالإمام لدى جمهورها.


كما أن البحث عن اسم الإمام الخميني على شبكة الإنترنت يُظهر عدداً هائلاً من النتائج، مما قد يوحي بأنه قد عُرِّف به على نحو كافٍ لدى الجيل الثالث.


ورغم هذه الأسباب وغيرها، فإننا نتفق مع صاحب السؤال في أن الإمام الخميني لا يزال مجهولاً لدى غالبية أبناء الجيل الثالث. فقد أظهرت دراسة استطلاعية أُجريت عام 2005 بالتعاون بين مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني وإحدى الجامعات أنه حتى طلاب الجامعات، الذين يدرسون إلزامياً مواد تتعلق بالثورة الإسلامية والفكر السياسي للإمام ووصيته، لا يمتلكون الحد الأدنى المقبول من المعرفة بفكره كما ينبغي.


وإذا تجاوزنا الاعتبارات السياسية وافترضنا صحة هذا التقييم، أي أن الجيل الثالث لا يعرف الأسس الفكرية للإمام بالقدر الذي يمكّنه من التفكير والإبداع ضمن منظومته الفكرية، فإنه من الضروري أن يتولى أهل الاختصاص دراسة هذه الظاهرة وتحليل أسبابها الحقيقية، رغم توفر الإمكانات المشار إليها. وإلى أن يتم ذلك، يمكن الإشارة بصورة أولية إلى بعض الأسباب، مع الإقرار بأنها لا تمثل جميع العوامل:


قد تكون الفجوة بين الفكر العميق والثقافة السائدة في المجتمع كبيرة إلى درجة تحتاج إلى وقت حتى يقترب المجتمع منها. ومثال ذلك الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، الذي كان في زمانه أشهر الناس وأشدهم خفاءً في الوقت نفسه؛ فهو أول المسلمين، وصهر النبي (صلى الله عليه وآله)، ووصيه، وأول أئمة الشيعة، وخليفة رسول الله في السنوات الأخيرة من حياته، ومع ذلك بقيت كثير من مقامات شخصيته غير معروفة في عصره وفي القرون اللاحقة، ومن المرجح أن تدرك الأجيال القادمة عظمته العلمية والروحية أكثر مما ندركها اليوم.


إن الأفكار العظيمة تحتاج إلى من يشرحها ويبين دقائقها. فعندما يضع العلماء شروحاً لنهج البلاغة أو لدعاء السحر أو للمثنوي أو لديوان حافظ، فإن القارئ يكتشف من خلالها معان أعمق وأدق. وحتى البيت الشعري المشهور يزداد جمالاً عند شرحه من قبل أهل الاختصاص. وبناءً على ذلك، فإن آثار الإمام الخميني ربما لم تجد حتى الآن من يشرحها للعامة بأسلوب يجمع بين العمق والقدرة الفنية على إيصالها، أو أنّ من امتلك هذه القدرة لم تتح له وسائل الإعلام الواسعة للوصول إلى الناس.


لا تنتشر أي فكرة بين عامة الناس إلا إذا اقترنت بفن حسن عرضها. فإذا تولى تقديمها أشخاص يفتقرون إلى الأسلوب المؤثر واللغة الجذابة، فقد يؤدي ذلك إلى نفور الجمهور منها. وكان الإمام الخميني، في حياته، يمتلك القدرة على طرح أفكاره بطريقة تجعل الشباب متشوقين إلى سماعها والعمل بها، أما اليوم فلا تتوافر الظروف نفسها، بل إنّ من يحاول نقل أفكاره بأسلوب أكثر فنية قد يواجه مقاومة شديدة.


ولا ينبغي إغفال وجود معارضين للإمام ونشاطهم المستمر. وهؤلاء يشملون طيفاً واسعاً؛ فمنهم من يعاديه بصورة مباشرة ويملك إمكانات إعلامية كبيرة، ومنهم من يكنّ له الاحترام في بعض الجوانب لكنه يختلف معه أو يجهل أفكاره في جوانب أخرى. فبعض الخصوم في الخارج يعمدون إلى تحريف أقواله أو إنتاج مواد ساخرة عنه لإثارة سوء الفهم تجاهه. وفي المقابل، هناك من يمدحه في جانب معين، لكنه لا يسعى إلى نشر بقية أبعاده الفكرية. فعلى سبيل المثال، يركّز بعض تلامذته في الفقه والأصول على الجانب الفقهي وحده، مع أنهم يفتقرون إلى المعرفة الكافية بفلسفته أو عرفانه، أو حتى يعارضونهما، فيقدّمون صورة ناقصة عن شخصيته الفكرية، مما يؤدي إلى فقدان شريحة واسعة من الجمهور المحتمل.


كما أن تسييس شخصية الإمام، أو تقديمها بصورة تخدم المصالح الفردية والحزبية، يعد سبباً آخر يضعف ارتباط الجيل الجديد به فكرياً وعاطفياً، بل قد يؤدي أحياناً إلى تكوين صورة سلبية عن أفكاره. وللأسف، لا يزال بعض الأشخاص، وهم يتحدثون باسمه، يسيئون إلى تراثه الفكري، وبما أن ممارساتهم لا تنسجم مع الفطرة الإنسانية، فإن ذلك ينعكس سلباً على حضور فكر الإمام بين الأجيال الجديدة.


-------------


القسم العربي، الشؤون الدولیة.