الإرث الاستراتيجي والرابطة العرفانية؛ تبيين مكانة الاقتداء في القيادة المعنوية (القسم الثاني)

ID: 86249 | Date: 2026/07/03
محورية المستضعفين؛ القلب النابض للرابطة



إذا أردنا أن نلخص القاسم المشترك الأهم بين الإمام الخميني (قدس سره) والشهيد القائد في كلمة واحدة، فإن تلك الكلمة هي المستضعفون. فقد أقام الإمام الخميني ثورته من أجل تحرير المستضعفين في العالم، كما تكشف سيرة الشهيد القائد وخطاباته أن هذه القضية بقيت تمثل المحور الأساس في جميع قراراته ومواقفه.



فمن تأكيده على الاقتصاد المقاوم بوصفه سبيلًا للتحرر من التبعية لمنظومة الهيمنة العالمية، إلى دعمه لمحاور المقاومة في غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن، تتجلى حقيقة أن رؤيته كانت امتدادًا مباشرًا لرؤية الإمام الخميني؛ رؤيةٌ تنطلق من موقع الحق في مواجهة الباطل، وترفض أن يُترك المستضعفون فريسةً للمستكبرين أو أن تُسلب حقوقهم.



وفي هذا الموضع يبلغ الاتباع قمته؛ إذ كان الشهيد القائد يؤمن بأن أي انحراف عن محور نصرة المستضعفين يُعد خيانةً للإرث الذي خلّفه الإمام. ولذلك كانت جميع جهوده في تقوية جبهة الحق إنما تصب في سبيل تحقيق المشروع الذي أراده الإمام، حتى تؤتي أفكاره الإصلاحية وثمرتها الحضارية أكلها، وتظهر في واقع الأمة بصورة واضحة راسخة.



««إذا صار وجهُ الله ماثلًا أمام بصرك،


فلن يبقى بعد ذلك شكٌّ في أنك من أهل البصيرة.»»


أنموذج الطهارة والتقوى؛ الرابطة المعنوية والسلوكية



إنّ الاتباع في مستوى القيادة لا يقتصر على كونه شأنًا سياسيًا، بل هو قبل ذلك وبعده قضية معنوية وسلوكية. فقد كان الإمام الخميني (قدس سره) يرى دائمًا أن السياسة إذا انفصلت عن التقوى غدت أداةً بيد الشيطان. وانطلاقًا من هذا الأساس، اعتبر الشهيد القائد أن طهارة الباطن والتقوى السياسية شرطان لا غنى عنهما لتحقيق أهداف الثورة الإسلامية.



وكان تأكيده المستمر على البساطة في العيش، والتواضع، والمواظبة على العبادة، إنما يمثل امتدادًا عمليًا للنموذج الذي جسّده الإمام الخميني في حياته وسلوكه. ومن ثمّ، فإن الاقتداء بالإمام في هذا المجال لم يكن مجرد التزامٍ بمنهجٍ سياسي، بل كان انسجامًا روحيًا وسلوكيًا بين شخصيتين كرّستا حياتهما في سبيل الله تعالى.



لقد كان التلميذ الوفي يرى نفسه مكلَّفًا بالسير في الطريق الذي ارتضاه أستاذه ومرشده، وكان يدرك أن من أراد هداية الآخرين، فعليه أولًا أن يسلك بنفسه طريق تزكية النفس وتهذيب الأخلاق. ومن هنا، فإن الرابطة الروحية التي جمعت بين الإمام والقائد لم تكن رابطةً تنظيمية أو إدارية، بل كانت رابطةَ عاشقين للحق، جمعتهما وحدة المقصد والإخلاص في أداء الرسالة.



وقد أسهمت هذه الرابطة في أن يبقى بوصلة النظام الإسلامي ثابتةً، رغم ما واجهه من عواصف سياسية وضغوط دولية وأحداث متسارعة. ولم يكن ذلك الثبات قائمًا على المصالح الشخصية أو الحسابات الظرفية، وإنما استند إلى الحقائق الإلهية الثابتة والمبادئ التي لا تتغير بتغير الأزمنة والظروف.



«اغسلْ نحاسَ وجودِك كما يفعل رجالُ الطريق، حتى تنال كيمياءَ العشق فتغدو ذهبًا.»


الكلمة الأخيرة: استمرار النور وآفاق المستقبل



وفي الختام، يمكن القول إن الشهيد القائد، عندما كان يؤكد أنه «سائرٌ على نهج الإمام»، إنما كان يجدد التأكيد، على نحوٍ مستمر ومؤكد، على التزامٍ تاريخي وإلهي. ولم يكن هذا الاتباع يعني الوقوف عند حدود الماضي، بل كان يعني حمل حقيقة الماضي إلى المستقبل، وجعلها حاضرةً في مواجهة تحديات كل عصر.



فإذا كان الإمام الخميني (قدس سره) هو المهندس الذي شيّد هذا البناء، فإن الشهيد القائد تولّى مسؤولية صيانته واستكماله في مواجهة العواصف العاتية وتقلبات الزمن. ويمنحنا هذا الامتداد التاريخي ثقةً بأن روح الثورة الإسلامية ستظل حيّة، مهما تعاقبت الأجيال وتبدلت الوجوه؛ لأن زمامها كان في يد قائدٍ كان قلبه يخفق بنبض روح الإمام، وكانت عيناه تتطلعان إلى الآفاق نفسها التي رسمها الإمام الراحل.



لقد شهدنا، على امتداد ما يقرب من أربعة عقود، تلاقي بصيرة الإمام مع حكمة القيادة وتدبيرها؛ تلاقياً أسهم في ترسيخ الجمهورية الإسلامية، لا بوصفها ظاهرةً عابرة، بل باعتبارها رسالةً متواصلةً ومشروعًا حضاريًا متجددًا.



وفي هذا المسار، ظل فكر الإمام المصباح الهادي الذي بدّد ظلمات الحيرة، وأنار طريق الأمة، وقادها نحو الأفق الموعود الذي تظلله العدالة الإلهية ويعم فيه الحق أرجاء الأرض.



وهذه هي حقيقة الاستمرار، وهذا هو المعنى العميق للاتباع؛ إنه الطريق الذي رسم معالمه الإمام الخميني (قدس سره)، وسار عليه الشهيد القائد بكل إخلاص وثبات، حتى إنه لم يبخل في سبيله بأغلى ما يملك، فقدم نفسه وأفرادًا من أسرته قربانًا لهذه الرسالة، مؤمنًا بأن صيانة المبادئ الإلهية تستحق كل تضحية.



ومن هنا، فإن الواجب الملقى على عاتق الأجيال هو أن تحفظ هذه الأمانة، وأن تستلهم من هذا النهج قيم الإيمان، والوعي، والصمود، والإخلاص، حتى يبقى ذلك المشروع الحضاري حيًّا في الضمائر، ومتجددًا في الواقع، وممتدًا نحو المستقبل.


-----------


حجة الإسلام و المسلمين الدكتور علي كمساري ، رئيس مؤسسة تنظيم و نشر تراث الإمام الخميني (قده) . 


-----------


القسم العربي ، الشؤون الدولية.