هل لا يزال بالإمكان الحديث مع الإمام الخميني عن إيران اليوم؟( القسم الاول)

ID: 87123 | Date: 2026/08/29


بقلم: محمد رجائي‌نجاد



يؤكد الإمام الخميني في «منشور الروحانية»، إلى جانب التشديد على الفقه التقليدي والاجتهاد الجواهري، أن «الزمان والمكان عنصران محدِّدان في الاجتهاد». ويوضح أن المسألة قد يكون لها حكم معيّن في الماضي، لكن المسألة نفسها قد تتحول، في ظل العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الجديدة، ومع المعرفة الدقيقة بالظروف، إلى موضوع جديد، وبالتالي تحتاج إلى حكم آخر. ثم يؤكد: «يجب على المجتهد أن يكون محيطاً بمسائل زمانه». 



لقد مضى ما يقارب أربعة عقود على رحيل الإمام الخميني (رض). وخلال هذه الفترة، شهدت إيران تحولات كثيرة. وجاءت أجيال لم تشهد الثورة عام 1979، ولا الحرب، ولا الأجواء الاجتماعية والسياسية للسنوات والعقود الأولى من عمر الجمهورية الإسلامية. ولذلك تختلف كثير من قضاياها وهواجسها عن قضايا وهواجس الأجيال الأولى للثورة.



كما أن العالم لم يعد هو العالم نفسه الذي كان في عقدي الخمسينيات والستينيات. فقد تغيرت التكنولوجيا والاتصالات وأنماط الحياة والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية، وتغيرت مطالب الجيل الجديد، بل وحتى لغة الحوار حول الدين والسياسة. وظهرت أسئلة لم تكن موجودة في زمن الإمام، على الأقل بصورتها وأبعادها الراهنة. وفي مثل هذه الظروف، لعل سؤالاً يستحق أن يُطرح أكثر من أي وقت مضى: هل لا يزال بإمكاننا أن نتحدث مع الإمام الخميني عن إيران اليوم؟ 



قد يبدو السؤال بسيطاً، لكن الإجابة عنه ليست بسيطة. فقد يُقال إن الإمام الخميني (رض) ينتمي إلى مرحلة تاريخية خاصة؛ مرحلة كانت فيها القضايا والعلاقات الاجتماعية والسياسية وحتى لغة الحوار مختلفة عن اليوم. ولذلك فمن الطبيعي ألا نستطيع الحصول على إجابات مباشرة وجاهزة عن كثير من أسئلة اليوم من كلام مفكر ينتمي إلى عدة عقود مضت.



وفي مقابل هذا الرأي، هناك إجابة أخرى أيضاً: الإمام الخميني (رض) مفكر لا تقتصر أفكاره على أحداث العقود الماضية، ولا يزال بإمكانها أن تكون دليلاً مساعداً على فهم قضايا المجتمع الإيراني.



وبرأيي، إذا قبلنا هذين الرأيين بصورة مطلقة، فإن كليهما يقودنا إلى الخطأ. فلا ينبغي أن نضع الإمام الخميني في الماضي إلى درجة لا يعود معها بالإمكان الحديث معه عن قضايا اليوم، ولا ينبغي في الوقت نفسه أن ننقله إلى الحاضر وكأن في كلامه إجابة جاهزة عن كل قضية جديدة. فهذا إفراط وتفريط.



هناك طريق آخر: الحوار مع الإمام.



ماذا يعني الحوار مع مفكر؟ الحوار مع المفكر يختلف عن مجرد نقل اقتباسات عنه. فقد يكون نقل الاقتباس مجرد العثور على جملة من الماضي لتأييد كلامنا اليوم. أما الحوار فيعني أن نضع سؤالنا الراهن أمام فكره؛ وأن نفهم كلامه في ظروفه التاريخية؛ وأن نعرف المخاطَب والقضية والأجواء التي تشكّل فيها ذلك الكلام، ثم نسأل: ما العلاقة التي يمكن أن تربط ذلك الفكر بقضيتنا اليوم؟ 



وهذا ليس فرقاً بسيطاً. فإذا كنا نبحث فقط عن جملة من الإمام تؤيد موقفنا اليوم، فنحن في الحقيقة لم نتحاور مع الإمام، بل استخدمنا الإمام لتأييد وجهة نظرنا. وفي هذه الحالة قد نكرر الإمام كثيراً، لكننا نفهمه ونعرفه بدرجة أقل.



ولعل إحدى مشكلاتنا اليوم هي أننا تحدثنا كثيراً عن الإمام الخميني؛ ولكن هل تحاورنا بالقدر الكافي مع أفكاره؟ وهل عرفناها وفهمناها؟ 



الإمام الخميني ومسألة الزمان



للإجابة عن سؤال هذه المقالة، ينبغي الالتفات إلى إحدى الخصائص المهمة في فكر الإمام: أنه لم يكن غافلاً عن «الزمان». ويتضح هذا الأمر بصورة أكثر صراحة في بحث الاجتهاد.



يؤكد الإمام الخميني في «منشور الروحانية»، إلى جانب التشديد على الفقه التقليدي والاجتهاد الجواهري، أن «الزمان والمكان عنصران محدِّدان في الاجتهاد». ويوضح أن المسألة قد يكون لها حكم في الماضي، لكنها في ظل العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الجديدة، ومع المعرفة الدقيقة بالظروف، قد تصبح موضوعاً جديداً، وبالتالي تحتاج إلى حكم آخر. ثم يؤكد: «يجب على المجتهد أن يكون محيطاً بمسائل زمانه». (صحيفة الإمام، ج 21، ص 289). 



ورغم أن هذا الكلام ورد في بحث تخصصي حول الاجتهاد، فإنه يحمل دلالة تتجاوز ذلك أيضاً. فالفكر الذي يريد أن يتعامل مع حياة الإنسان لا يمكنه أن يتجاهل الحقائق المتغيرة للحياة. ويتحدث الإمام في الرسالة نفسها عن ضرورة معرفة المجتهد بالقضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وكذلك ضرورة الاستعداد للإجابة عن مشكلات المجتمع.



ومن وجهة نظره، يستطيع الفقه أن يؤدي دوره عندما يتجاوز المجال النظري البحت، ويواجه قضايا المجتمع الواقعية. ومن هنا يتشكل سؤال مهم بالنسبة إلينا:



إذا كان الإمام يرى أن معرفة الزمان ضرورية لفهم القضايا فهماً صحيحاً، أفلا ينبغي لنا نحن أيضاً أن نعيد قراءة فكر الإمام نفسه مع معرفة عصرنا؟ 



وبرأيي، الإجابة هي نعم. لا يمكن إيقاف الإمام عند عام 1989. وإذا أردنا أن نقرأ الإمام من أجل اليوم، فليست الخطوة الأولى أن ننقل كل كلامه حرفياً إلى حاضرنا، بل ينبغي أولاً أن نفهم الظروف التي قيل فيها ذلك الكلام. 



لقد واجه الإمام الخميني طوال حياته الفكرية والسياسية قضايا مختلفة: النضال ضد الملكية والاستبداد، والعلاقة بين الدين والسياسة، وشكل الحكم، والعدالة الاجتماعية، والاقتصاد، والحرب، والتفاوض، والسلام، والعلاقات الدولية، وقضايا إدارة المجتمع، وغيرها.



ومن الطبيعي أن الكلام الذي قيل في ظروف النضال ضد حكومة الشاه لا تكون له بالضرورة الوظيفة والمعنى نفسيهما اللذين يحملهما كلام قيل حول إدارة الجمهورية الإسلامية في السنوات اللاحقة. ولذلك فإن دراسة الإمام تحتاج إلى رؤية مسار الفكر، لا إلى اصطياد الجمل. فلا يمكن اختزال أي مفكر في بضع جمل مشهورة. 


------------


القسم العربي، الشؤون الدولیة.