أحمد مازني
موقع جماران الإخباري – طهران، 9 أكتوبر 2026
إن دموع التماسيح هذه لا تنهمر بدافع التعاطف، بل بهدف «تقويض الأمن». فهم يريدون، من خلال خلق أجواء نفسية وإعلامية، تقييد يد الجهاز القضائي في التعامل مع المجرمين والمفسدين في الأرض، لكي تبقى الشوارع آمنة لتحركات الإرهابيين المستقبلية.
تُعدّ دراسة الجذور التاريخية للتيارات المعادية التي تسعى إلى توجيه الاحتجاجات الشعبية وتحريضها نحو أعمال الشغب وانعدام الأمن الداخلي، أحد المحاور المهمة في تاريخ التطورات التي شهدتها البلاد بعد الثورة الإسلامية. وهي تيارات اتخذت، ولا تزال تتخذ، قناع «المطالبة بالحقوق» وسيلةً لخلق انعدام الأمن والفوضى.
لقد سعت منظمة مجاهدي خلق (المنافقون) وغيرها من الجماعات الإرهابية المماثلة باستمرار إلى استغلال الانفعالات المرحلية في المجتمع لتنفيذ مشاريع تهدف إلى إسقاط النظام، وتعود جذورها إلى غرف التفكير التابعة لأجهزة الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية. ويعلن قادة هذه المنظمة ووسائل إعلامها صراحةً عن مشاركة عناصرها المتمردة والإرهابية المسلحة في التجمعات الشعبية، كما يصرّون، في سباقهم مع الملكيين على استعراض العنف والتباهي بقتل الناس، على القول إنهم هم من يقتلون عناصر البسيج وقوات الشرطة. ويرون أن التمرد المسلح هو السبيل الوحيد لتجاوز الوضع الراهن.
وللتعرّف إلى هذا التيار، لا بد، إلى جانب الاطلاع على تاريخه، من الانتباه إلى النقاط الآتية:
1. ارتباط النفاق بمشروع «زعزعة الاستقرار»
خلافاً لادعاءاتهم، لم تكن هذه الجماعات يوماً معنيةً بمعيشة الناس أو بحقوقهم. فمنذ أحداث السنوات الأولى للثورة، ولا سيما بعد انتقال هذه المنظمة إلى مرحلة الكفاح المسلح، وتحالفها مع صدام، وتدخلها المسلح في أحداث ديسمبر 2025 – يناير 2026، وغيرها من التجمعات الشعبية، بات نمط عمل هذه التيارات واضحاً تماماً.
ومن أبرز أساليبها الاختراق والتحريف؛ إذ ترصد التجمعات الشعبية التي قد تكون لها جذور اقتصادية أو اجتماعية، ثم تتسلل إليها وتوجّه الشعارات نحو العنف والتخريب والاشتباكات.
الدعم الخارجي: إن هذا التيار والجماعات الصغيرة المشابهة له تفتقر إلى القدرة على التأثير بمفردها، بل ليست سوى «قوات برية» ضمن حرب مركبة أوسع نطاقاً. فالولايات المتحدة، من خلال دعمها السياسي، والنظام الصهيوني، عبر توفير التدريب السيبراني والمعلومات الاستخباراتية، يوظفان هذه الجماعات أذرعاً للتغلغل واستهداف أمن إيران. ويتمثل الهدف النهائي لهذا التعاون في تحويل الاحتجاج إلى «شغب»، والشغب إلى «انعدام أمن مستدام»، بما يزيد من كلفة إدارة البلاد على النظام.
2. كذبة «حقوق الإنسان»؛ دموع التماسيح على القتلة
من أكثر العمليات النفسية تعقيداً التي تنفذها هذه المنظمة وغيرها من الجماعات الإرهابية، تشويه الأحكام القضائية وقلب الحقائق. فعندما يحاكم الجهاز القضائي أشخاصاً استخدموا أسلحة نارية أو بيضاء لتنفيذ عمليات اغتيال بحق مواطنين أبرياء، أو للاعتداء على المدافعين عن الأمن، أو لتخريب الممتلكات العامة، فإن هذا التيار، بالتنسيق مع وسائل الإعلام الأجنبية وبعض الجهات الداخلية المتحالفة معه، يذرف دموع التماسيح على «القتلة»، ويقلب الأدوار بين الجلاد والضحية.
3. التناقض في السلوك
من اللافت أن هذه التيارات التي تدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان التزمت الصمت عندما كان الإرهابيون أنفسهم يمارسون إحراق الممتلكات والقتل في الشوارع. فهي لا تكترث بحقوق الإنسان عندما يسقط «الضحايا» من المواطنين العاديين وعناصر الشرطة شهداء أو جرحى، لكنها ما إن يقع «القاتل» في قبضة القانون حتى ترتفع أصواتها مطالبةً باحترام «حقوق الإنسان».
4. تحميل الأمن كلفةً باهظة
إن دموع التماسيح هذه لا تنهمر بدافع التعاطف، بل بهدف «تقويض الأمن». فهم يريدون، من خلال خلق أجواء نفسية وإعلامية، تقييد يد الجهاز القضائي في التعامل مع المجرمين والمفسدين في الأرض، لكي تبقى الشوارع آمنة لتحركات الإرهابيين المستقبلية.
ولا يعني ما سبق تجاهل سوء تدبير المسؤولين، بل يهدف إلى إلقاء الضوء على الحقائق الخفية الكامنة وراء هذه الأحداث، والنابعة من سوء نية الأجهزة الأجنبية والعناصر المرتبطة بها.
5. واجب اليوم
الحقيقة أن الأمن يُعدّ «خطاً أحمرا چه» في أي مجتمع. ولا تسمح أي دولة في العالم لجماعات تحمل السلاح وتستهدف الناس بتوجيه مباشر من أجهزة استخبارات أجنبية، كالأمريكية والإسرائيلية، بأن تتمتع بالحصانة القضائية تحت غطاء الدفاع عن «الاحتجاج».
ومن هنا، فإن واجب أصحاب الوعي في المجتمع، بصرف النظر عن توجهاتهم السياسية، يتمثل في توضيح الحقائق في هذا المجال، مع التأكيد على النقاط الآتية:
أولاً: التمييز الدقيق: يجب توضيح الحدود الفاصلة بجلاء بين «المحتج» الذي يسعى إلى الإصلاح، و«مثير الشغب» الذي ينفذ أجندة خارجية تهدف إلى التخريب.
ثانياً: كشف النفاق: ينبغي توضيح هذه الحقيقة للرأي العام، وهي أن داعمي هذه الجماعات الإرهابية يسعون في الواقع إلى إشاعة الفوضى، التي سيكون المواطنون العاديون أول ضحاياها.
إن ذرف دموع التماسيح على أشخاص دخلوا الميدان وفق مخطط العدو وبهدف إسقاط النظام عبر سفك الدماء، ليس سوى دعم غير مباشر لـ«الإرهاب». فالعدالة في مواجهة القتلة هي عين الدفاع عن حقوق الناس، ولا ينبغي السماح للضجيج الإعلامي للعدو بأن يشوّه هذه الحقيقة البديهية.
وبالطبع، ينبغي للحكومة أيضاً أن تعمل على معالجة الأسباب التي تؤدي إلى اندلاع الاحتجاجات الشعبية، من خلال حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وضمان أمن التجمعات.
---------
القسم العربي، الشؤون الدولیة.