حول ثورة أكبر من الثورة الأولى

ID: 87969 | Date: 2026/11/04


لم تمضِ سوى بضعة أشهر على انتصار الثورة الإسلامية للشعب الإيراني، حتى كانت الجامعات الكبرى، ومنها جامعة شريف الصناعية التي كنا من طلابها، تشهد نشاطاً دعائياً واسعاً للجماعات اليسارية ومنظمة مجاهدي خلق ضد إجراءات الحكومة والثورة. كما شهدت مناطق كردستان و کنبد کاووس وأذربيجان تحركات مسلحة، إلى جانب تجمعات للمعارضين للثورة.


وكان الإمام الخميني، قائد الثورة الإسلامية، في ظل الأوضاع السائدة في البلاد والتحركات التي كانت تُنفَّذ في مناطق مختلفة ضد مسيرة الثورة الإسلامية، ومع الأخذ في الاعتبار دعم الحكومة الأمريكية لنظام الشاه، قد دعا الطلاب والأوساط الجامعية إلى رفع أصواتهم احتجاجاً على سياسات الحكومة الأمريكية.


واستجاب طلاب عدد من الجامعات الكبرى في البلاد، ومنها جامعة شريف الصناعية وجامعة طهران والجامعة الوطنية (جامعة الشهيد بهشتي حالياً) وجامعة البوليتكنيك (جامعة أمير كبير الصناعية حاليا)، لدعوة الإمام وللأجواء المتوترة التي كانت سائدة في عدد من المناطق، وقرروا، انطلاقاً من مسؤوليتهم الطلابية، الدخول إلى الساحة واتخاذ خطوة أساسية.



وبحسب تحليلات ممثلي طلاب هذه الجامعات الأربع، كانت الحكومة الأمريكية، التي منحت الشاه المخلوع اللجوء بذريعة العلاج، تُعد محوراً للتحركات التخريبية والمعادية للثورة في البلاد. ولذلك تقرر السيطرة على المركز الذي يقود هذه التحركات، ووقف عملياته، وإعادة الهدوء إلى البلاد، وكذلك إعادة الشاه المخلوع إلى إيران.



وبناءً على القرارات المتخذة، اختير يوم 4 نوفمبر/تشرين الثاني 1979 موعداً للتحرك نحو السفارة الأمريكية؛ إذ يوافق هذا اليوم ذكرى نفي الإمام الخميني إلى تركيا عام 1964، وكذلك ذكرى استشهاد عدد من الطلاب الإيرانيين على أيدي عناصر نظام بهلوي أمام جامعة طهران في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 1978.


وفي الساعة العاشرة من صباح يوم الأحد 4 نوفمبر/تشرين الثاني 1979، بدأت حركة احتجاجية شارك فيها نحو 400 طالب من أربع جامعات، انطلقت من الجهة الشرقية لشارع طالقاني باتجاه البوابة الرئيسية للسفارة الأمريكية. وانتهى التحرك بدخول الطلاب من البوابة الرئيسية إلى مبنى السفارة، لتصبح السفارة، التي وصفها الطلاب بـ«وكر التجسس» التابع للحكومة الأمريكية، تحت سيطرة الطلاب المسلمين السائرين على نهج الإمام.



وأعلن الطلاب، الذين كانوا يعدّون أنفسهم من أتباع خط الإمام، أن هذه الخطوة الثورية جاءت استجابة لنداء الإمام، بهدف إعادة الهدوء إلى البلاد وعودة محمد رضا بهلوي، وكانوا يعتزمون مغادرة السفارة بعد ثلاثة أيام والعودة إلى جامعاتهم لمتابعة دراستهم.


ووصلت دوافع الطلاب للاستيلاء على السفارة إلى علم الإمام عن طريق آية الله السيد موسوي خوئيني‌ها، الذي كان رجل دين موضع ثقة الطلاب، ومن خلال الراحل حجة الإسلام والمسلمين الحاج السيد أحمد الخميني.



وكان الإمام، الذي اطّلع على دوافع الطلاب ورأى فيها دعماً للثورة وإدانةً لإجراءات الحكومة الأمريكية، قد أعلن: «إنها في إيران ثورة أخرى، ثورة أكبر من الثورة الأولى».


وأظهر موقف الإمام من هذه القضية أنه كان قد أدرك، في تلك المرحلة، الطبيعة الاستكبارية والنزعة العدوانية والاستعمارية للحكومة الأمريكية؛ ولذلك أعلن بوضوح في 5 نوفمبر/تشرين الثاني 1979 أن «الشيطان الأكبر في هذه الثورة هو أمريكا».


وخلال عملية السيطرة على السفارة، تمكن الطلاب المسلمون السائرون على خط الإمام من السيطرة على جميع مواقع مجمع السفارة من دون استخدام السلاح ومن دون إلحاق الأذى بالأمريكيين الموجودين داخلها. كما أعلنوا، في بيانات مختلفة موجهة إلى الشعب الإيراني والرأي العام العالمي، أهدافهم ودوافعهم من هذا التحرك والشروط التي وضعوها للإفراج عن الرهائن الأمريكيين.


وكان إطلاق سراح الرهائن من النساء والسود بأمر من الإمام دليلاً، بحسب النص، على اهتمام الإمام والشعب الإيراني بالسود واحترامهم للمرأة. ومع إحالة الإمام قضية الرهائن إلى مجلس الشورى الإسلامي، أُطلق سراح بقية الرهائن في نهاية المطاف بعد 444 يوماً، وذلك في يناير/كانون الثاني 1981، في إطار اتفاقيات الجزائر الموقعة بين حكومتي إيران والولايات المتحدة.


إن محاولة إضعاف هذه الحركة الثورية والطلابية، التي حظيت بتأييد كامل من الإمام، وحظيت خلال مختلف المراحل بدعم قائد الثورة الشهيد في خطاباته ورسائله، واعتبارها ناتجة عن تحريض جماعات الأقلية الشيوعية أو الاتحاد السوفيتي السابق، إنما تعكس، بحسب الكاتب، عدم المعرفة الدقيقة بظروف تلك المرحلة وبالقرار الشجاع والمستقل الذي اتخذه الطلاب في ذلك الظرف الحساس.


كما أن اعتبار اندلاع الحرب التي شنها نظام حزب البعث العراقي واستمرت ثماني سنوات نتيجةً للاستيلاء على السفارة الأمريكية، يدل على عدم الاطلاع الصحيح على الوثائق والأسباب والظروف التي أدت إلى بدء صدام الحرب ضد إيران.


وإن اعتبار جميع القضايا والمشكلات القائمة بين الولايات المتحدة وإيران منذ انتصار الثورة وحتى اليوم ناتجة عن هذا التحرك، يدل على أننا لم ندرك جيداً طبيعة الاستكبار والنزعة السلطوية للحكومة الأمريكية، كما لم نقدم تحليلاً صحيحاً لإجراءات الولايات المتحدة ومؤامراتها ضد الشعب الإيراني وبلاده.



ويرى الكاتب أن إجراءات الرئيس الأمريكي الحالي في مواجهة الشعب والبلاد الإيرانية، وإعلانه ضرورة هدم حضارة إيران الممتدة لآلاف السنين، وفرضه حروباً استمرت 12 يوماً و40 يوماً، واستمرار هذه المواجهة حتى اليوم، تمثل تجسيداً واضحاً للطبيعة التي يصفها الكاتب بالشيطانية والمعادية للإنسانية للحكومة الأمريكية.



ولا شك أن نظام الجمهورية الإسلامية كان بإمكانه، طوال هذه السنوات، أن يتصرف بحكمة وذكاء أكبر من خلال اعتماد استراتيجيات مناسبة على الصعيدين الداخلي والدولي، وتطوير التواصل والتفاعل مع الدول بما ينسجم مع المصالح والمنافع الوطنية العليا، والاستفادة من الفرص المتاحة بصورة أكثر تدبيراً وحكمة لتحسين أوضاع الشعب والبلاد.



-------------


القسم العربي، الشؤون الدولیة.