بعد أن منعت الكويت دخول الإمام الخميني (قده) إلى أراضيها، أصبحت فرنسا الخيار الأنسب من بين الدول المتبقية، ويروي أحد مرافقي الإمام كيفية اتخاذ هذا القرار.
وبحسب مراسل «جماران»، عقب منع الحكومة الكويتية دخول الإمام الخميني (قده) إلى أراضيها، قرر الإمام التوجه إلى دولة أخرى، وكانت فرنسا هي الوجهة التي اختيرت له. وقد تحدّث حجّة الإسلام والمسلمين محمدرضا ناصري، الذي كان من مرافقي الإمام في النجف الأشرف، عن أسباب هذا الاختيار، قائلاً:
«كان سبب اختيار باريس أيضاً أنها في البداية لم تكن تحتاج إلى تأشيرة دخول. ففي حال اختيار أي دولة أوروبية أو أمريكية، كان يتعين علينا الحصول على تأشيرتها ونحن في بغداد، وكان ذلك سيطرح مشكلة الانتظار وإجراءات الحصول على التأشيرة. أما الكويت، التي كنا نملك تأشيرتها، فقد منعتنا من الدخول، وربما كانت تلك الدول أيضاً ستمنعنا من الدخول رغم امتلاكنا للتأشيرة. ومن جهة أخرى، كان من الممكن أن تتخذ الحكومة الإيرانية ردّ فعل تجاه الأمر.
ولهذا السبب كانت فرنسا تتمتع بهذه الميزة، إذ لم نكن بحاجة إلى تأشيرة عند الدخول، وكان بإمكاننا الإقامة فيها لمدة عشرة أيام من دون تأشيرة، ولم يكن هناك من يمنعنا من الدخول. وبالتالي، كان أمامنا عشرة أيام من دون قلق، لنحصل خلالها على تأشيرة الإقامة لمدة ثلاثة أشهر في فرنسا أو في دول أخرى.
ومن المزايا الأخرى لفرنسا أن لنا فيها أصدقاء كثيرين. وقد أجرى الحاج السید أحمد اتصالاً هاتفياً بفرنسا وأبلغهم بقرار التوجه إلى هناك. ومن مزايا فرنسا أيضاً أن الرئيس آنذاك كان جيسكار ديستان، الأمر الذي جعل هذا البلد أكثر انفتاحاً وتوافقاً مع الثورة.
ومن المزايا الأخرى، التي ربما كان الله قد قدّرها، أن صحفياً من مجلة «لوموند» كان قد جاء إلى النجف قبل عدة أشهر وأجرى مقابلة مع سماحة الإمام. وقد أحدثت هذه المقابلة، التي نُشرت وانتشرت بطبيعة الحال في باريس، ضجة كبيرة. وفي الواقع، جعلت هذه المقابلة الإمام شخصية معروفة على نطاق واسع. حتى إن بعض الشيوعيين الفرنسيين، من الأحزاب الاشتراكية والشيوعية، كانوا يتصلون بنا ويقولون: لم نكن نعلم أن لدى الإمام مثل هذه الأفكار التي تتسم بهذا القدر من السمو والرفعة، وقد لاقت هذه المقابلة انتشاراً واسعاً.
لقد تهيأت مجموعة من الظروف على هذا النحو، ولذلك وقع الاختيار على فرنسا. وفي اتصال هاتفي مع الأصدقاء، طرح الحاج السید أحمد رأي سماحة الإمام بشأن مكان إقامته في باريس، وقال: لا نريد أن نذهب إلى مكان خاص أو شخصي، بل ينبغي استئجار منزل لا يكون مملوكاً لأي شخص. وفي البداية وقع الاختيار على منزل السيد صدّاقي، وكنتُ لم أذهب إلى باريس بعد، ثم انتقل الإمام إلى نوفل لوشاتو، ولحقتُ به هناك.»
-------------------
القسم العربي، الشؤون الدولیة، مقتطف من كتاب «ذكريات سنوات النجف»، الجزء الثاني، ص ۲۲۱.ف.