في الخامس من آبان عام 1363 هـ.ش (27 أكتوبر 1984م)، أهدى الإمام الخميني (قدس سره) كتابه «آداب الصلاة» إلى السيدة فاطمة الطباطبائي، وأرفقه برسالة خطّها لها.
وبحسب تقرير مراسل جماران، ففي الخامس من آبان عام 1363 هـ.ش (27 أكتوبر 1984م)، أهدى الإمام الخميني (قدس سره) كتاب «آداب الصلاة» إلى السيدة فاطمة الطباطبائي، كنّته وزوجة المرحوم الحاج السيد أحمد. وكانت السيدة الطباطبائي، إلى جانب صلة القرابة التي تجمعها بالإمام، من تلميذاته أيضاً.
وقد كتب الإمام عدة رسائل عرفانية إليها، إحداها هذه الرسالة التي أرفقها بإهداء الكتاب، ونشير إلى نصها فيما يلي.
وقد أشار الإمام في رسالته إلى أنه ألّف كتاب «سر الصلاة» أولاً، ثم ألّف كتاب «آداب الصلاة».
نص رسالة الإمام الخميني (قدس سره)
بسمه تعالى
واحسرتاه، مضى العمر في البطالة،
ومضى مثقلاً بالذنوب، خالياً من الطاعة.
وغداً، حين أقف في ساحة الحساب،
يقال لي: لقد مضى أوان الندم!
أهدي كتاب «آداب الصلاة» إلى ابنتي العزيزة فاطي، التي أسأل الله أن يجعلها من المصلّين، وقد مضى على إتمام تأليفه أكثر من أربعين عاماً. وكنت قد أتممت قبل ذلك، بسنوات عدة، كتاب «سر الصلاة»، وقد مضى على تلك السنوات حتى اليوم أكثر من أربعين عاماً أيضاً. ومع ذلك، فإنني لم أدرك أسرار الصلاة، ولم أعمل بآدابها؛ فالإدراك شيء، ومجرد النسج والتأليف شيء آخر، والعمل شيء، وتهذيب النفس أمر آخر.
إن هذين الكتابين حجة من المولى على هذا العبد الذي لا يملك لنفسه شيئاً. وأعوذ بالله تعالى من أن أكون مشمولاً بالآية الكريمة التي تقصم الظهر: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، وليس لي ملجأ إلا رحمته الواسعة.
وأنتِ يا ابنتي! أرجو أن توفّقي إلى العمل بآداب هذا المعراج الإلهي العظيم، وأن تهاجري، بهداية هذا البراق الإلهي، من بيت النفس المظلم إلى الله تعالى. وأستجير بالله العظيم لكِ من أن تؤدي مطالعة هذه الأوراق إلى زيادة تعلّقاتكِ النفسية، أو أن تجعلكِ، مثل كاتبها، ألعوبة بيد الشيطان.
يا ابنتي! لقد وجدت فيكِ، والحمد لله، رقةً في الروح، أرجو معها أن تشملَكِ هداية الله، وأن تنجيكِ عنايته، جلّ وعلا، من بئر الطبيعة العميقة، وتهديكِ إلى الصراط المستقيم للإنسانية. ولكن لا تغفلي عن مكائد الشيطان والنفس، التي هي أشد خطراً، والجئي إلى الله العظيم؛ ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ رَحِيمًا﴾.
يا ابنتي! إذا لم تكن ثمرة مطالعة هذه الأوراق، لا سمح الله، سوى إظهار الذات، والتظاهر أمام المجالس، والسعي إلى لفت الأنظار، فمن الأفضل أن تصرفي النظر عن قراءتها، بل أن تتجنبيها، لئلا تصابي بالأسف الذي وقعتُ فيه.
أما إذا هيّأتِ نفسكِ، إن شاء الله، للاستفادة العميقة من المعارف المستقاة من الكتاب والسنة وأخبار أهل بيت العصمة، ومن إفادات أهل المعرفة، وعملتِ بما وهبكِ الله من استعداد ورقة في الطبع، فبسم الله! هذا الميدان، وهذه فرصتكِ.
أرجو أن تفرّغي قلبكِ من كل ما سوى الله في هذا المعراج الإنساني وهذا المزيج الرحماني، وأن تغسلي قلبكِ بماء الحياة، وأن تكبّري التكبيرات الأربع، وتتحرري من أنانيتكِ لتصلي إلى الحبيب.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾.
اللهم اجعلنا من المهاجرين إليك وإلى رسولك، وأوصلنا إلى الفناء فيك، ووفّق فاطي وأحمد لخدمة دينك، وبلّغهما السعادة.
والسلام.
2 صفر المظفّر 1405 هـ.ق، الموافق 5 آبان 1363 هـ.ش (27 أكتوبر 1984م).
روح الله الموسوي الخميني
(صحيفة الإمام، ج 19، ص 90)
الإيضاحات
1. تاريخ إتمام كتاب «آداب الصلاة»: 2 ربيع الثاني 1361 هـ.ق، الموافق 30 فروردين 1321 هـ.ش (20 أبريل 1942م).
2. تاريخ إتمام كتاب «سر الصلاة»: 21 ربيع الثاني 1358 هـ.ق، الموافق 19 خرداد 1318 هـ.ش (9 يونيو 1939م).
3. سورة الصف، الآيتان 2 و3: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾.
4. إنه سبحانه رحيم بعباده.
5. المقصود: الصلاة.
6. سورة النساء، الآية 100: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾.
------------
القسم العربي، الشؤون الدولیة.