ثلاثة أخطار في قراءة الإمام
أعتقد أنه ينبغي اليوم تجنب ثلاثة أنواع من التعامل مع الإمام.
أولاً: الإمام الانتقائي
وهو الإمام الذي لا نرى من كلامه إلا الأجزاء التي تتوافق مع موقفنا الحالي. وفي هذا الأسلوب، يتم اختيار جمل من بين الكم الهائل من آثار الإمام، ويتم تجاهل الجمل الأخرى. والنتيجة هي أن كل جماعة تستطيع أن تصنع «إمامها الخاص».
ثانياً: الإمام الجامد (المجمّد)
في هذا التصور، يُعتقد أن كل كلمة قالها الإمام في ظروف تاريخية معينة هي، من دون النظر إلى تغير الظروف، وصفة وحل حرفي لمشكلات اليوم.
وقد يبدو هذا الأسلوب، في ظاهره، وفاءً للإمام؛ لكنه قد يعني عملياً تجاهل إحدى أبرز خصائص فكر الإمام نفسه، وهي الاهتمام بظروف الزمان وقضاياه. ولذلك لا ينبغي تقديم الإمام على أنه مفكر مجمّد في الزمن.
ثالثاً: الإمام الأداتي
هنا لم يعد الإمام مفكراً، بل يتحول إلى أداة لإضفاء الشرعية على المواقف الراهنة. فعندما يكون كلام ما مفيداً لنا، نستشهد بالإمام، وعندما لا يكون مفيداً، نلتزم الصمت. وهذا الأسلوب ليس بحثاً ولا حواراً.
ولعل بالإمكان تلخيص هذا النقاش كله في جملة واحدة:
لا ينبغي أن نضع الإمام الخميني في متحف التاريخ، ولا أن نحصره في واجهة الشعارات.
فإذا اعتبرناه مجرد شخصية تنتمي إلى الماضي، نكون قد فقدنا جزءاً مهماً من تراثه الفكري، وإذا اختزلناه في بضع جمل مشهورة، نكون قد فقدناه أيضاً.
لعل مشكلتنا ليست نقصاً في الكلام عن الإمام
بعد سنوات من دراسة آثار الإمام الخميني، كلما واجهت كتاباته ورسائله وخطاباته وبياناته، ازددت اقتناعاً بأن مشكلتنا اليوم ليست نقصاً في الكلام عن الإمام. لقد تحدثنا كثيراً عن الإمام. لكن السؤال الأصعب هو: إلى أي مدى قرأناه؟ والأهم من ذلك: إلى أي مدى امتلكنا الجرأة على وضع أسئلتنا الحقيقية اليوم أمام فكره؟
إذا كنا نتحدث اليوم عن التفاوض والسلام والعدالة والفوارق الطبقية والحرية ومسؤولية الحكومة والعلاقة بين الشعب والحكومة وأخلاق السلطة والشباب والتغيرات الثقافية وأنماط الحياة، فهل تقتصر مهمتنا على أن نبحث عن جملة قالها الإمام حول كل واحد من هذه الموضوعات؟
برأيي، لا. فالمهمة الأهم هي معرفة منطق فكر الإمام. أن نرى عندما كان يتحدث عن الشعب، ما المكانة التي كان يحتلها الشعب في منظومته الفكرية. وعندما كان يتحدث عن الحكومة، فلأي غاية كان يريد الحكومة. وعندما كان يتحدث عن العدالة، فما معنى العدالة بالنسبة إليه. وعندما كان يتحدث عن الحرية، فما حدودها وأسسها في نظره.
وعندما كان يسمح بالتفاوض والسلام، فما نظرته وهدفه؟ وعندما كان يتحدث عن الإسلام والمجتمع، كيف كان يجمع بين المبادئ الثابتة والظروف المتغيرة؟
هذا النوع من القراءة أصعب بكثير من العثور على جملة وإعادة نشرها؛ لكنه إذا كان لتراث مفكر ما أن يكتسب معنى في عصرنا، فلا سبيل آخر إلى ذلك.
هل يمكن طرح الأسئلة الصعبة أيضاً؟
في الحقيقة، يبدأ الحوار الحقيقي من حيث نطرح الأسئلة الصعبة. مثل:
كيف كان الإمام يفكر في التفاوض والسلام؟
هل كان الشعب في فكر الإمام مجرد أصحاب الثورة، أم كانت له أيضاً أدوار حاسمة في إدارة الحكومة؟
ما مكانة الحرية في نظره؟
إلى أي مدى تكون الحكومة مسؤولة أمام الشعب؟
إذا نشأت فجوة بين إرادة الشعب وقرار الحكومة، فما المعيار الذي يقدمه لنا فكر الإمام؟
ما مكانة العدالة في منظومته الفكرية؟
أين تقع الحدود بين المصلحة العامة وحقوق الشعب؟ وغيرها.
هذه أسئلة جادة، ولا يمكن الإجابة عنها ببضعة شعارات. كما أن طرح هذه الأسئلة لا يعني إنكار الإمام. بل على العكس، إذا اعتبرنا الإمام مفكراً جاداً، فيجب أن نكون قادرين على طرح أسئلة جادة أمامه.
فالمفكر الذي لا يمكن طرح الأسئلة حول فكره، لم يعد حاضراً في ميدان الفكر.
الوفاء للإمام؛ تكرار أم فهم؟
ربما من الضروري هنا التمييز بين مفهومين: الوفاء لمفكر، وتكرار كلام مفكر. فهذان الأمران ليسا بالضرورة واحداً.
قد يكرر شخص كلاماً للإمام آلاف المرات، لكنه لا يعرف معناه في سياقه التاريخي. وقد يطرح شخص آخر سؤالاً جديداً أمام الإمام، لكنه في الحقيقة يكون أكثروفاءً لروح فكره.
فالوفاء الحقيقي يحتاج إلى الفهم، والفهم من دون السؤال والنقد غير ممكن. ومن هذا المنظور، لعل أحد أهم الأمور التي يمكن القيام بها اليوم تجاه التراث الفكري للإمام ليس أن نكرره أكثر فأكثر، بل أن نعيد قراءته ونفهمه من جديد.
فهل لا يزال بالإمكان الحديث مع الإمام عن إيران اليوم؟
يمكننا الآن العودة إلى السؤال الذي بدأنا به.
نعم، لا يزال بإمكاننا الحديث مع الإمام الخميني عن إيران اليوم؛ ولكن ليس مع إمام جامد أو انتقائي أو شعاري.
ينبغي أن نفهم الإمام في سياقه التاريخي، لكن ألا نوقفه عند التاريخ. وينبغي أن نكون أوفياء لكلامه، لكن ألا نخلط الوفاء بالتكرار الببغاوي.
ينبغي أن ننظر إلى كلماته بعضها إلى جانب بعض، وأن نعرف الظروف التي تشكلت فيها، وأن نطرح، عند الضرورة، أسئلة حول القراءات الشائعة لها.
والأهم من كل ذلك، ينبغي أن نضع قضايا إيران الحقيقية اليوم أمام هذا التراث الفكري. ولعل هذا هو معنى أن يكون الفكر حياً: ليس أن تكون لدينا إجابة جاهزة من الماضي عن كل سؤال جديد، بل أن يكون الفكر قادراً على أن يدفعنا إلى التفكير ونحن نواجه الأسئلة الجديدة.
إذا كان الإمام الخميني لا يزال مهماً لنا اليوم، فليس السبب فقط أنه كان قائد الثورة عام 1979. بل تكمن أهميته بالنسبة إلى الباحث المعاصر في أنه أسهم بجزء مهم من تاريخ إيران المعاصر من خلال فكره ونضاله وقراراته وتجربته السياسية.
ولذلك فإن فهم إيران المعاصرة من دون معرفة دقيقة ونقدية بتراثه الفكري سيكون أمراً صعباً، على الأقل بالنسبة إلى كل باحث يتعامل مع تاريخ الجمهورية الإسلامية.
لكن هذا التراث سيبقى حياً عندما يتحول من «موضوع للدراسة» إلى «موضوع للحوار».
نضع أسئلة اليوم على الطاولة؛ ونعود إلى آثار الإمام؛ ونقرأ كلامه في سياقه التاريخي؛ ونميز بين المبادئ والتطبيقات، ثم نسأل: ماذا يمكن أن نتعلم من هذا التراث لفهم حاضرنا؟
هذا هو المسار الذي نريد متابعته في المقالات القادمة.
ولعل السؤال الأول سيكون واحداً من أكثر الأسئلة جوهرية:
هل كان الإمام الخميني معارضاً للتفاوض؟
عندما نضع أمام الإمام قضية واقعية ــ التفاوض والسلام ــ ماذا سنجد؟
--------------
القسم العربي، الشؤون الدولیة، موقع جماران الاخباري.