كان هذان العظيمان، النبي (ص) وعلي (ع)، معاً ومتّحدين في عوالم الغيب، وفي عالم الشهادة ظهر أحدهما مظهراً لذلك الغيب المطلق في البعثة، وظهر الآخر مظهراً لذلك الغيب المطلق في الإمامة... وكما كانا طوال حياتهما في هذا العالم، وفي جميع الأوقات، معاً وسنداً لبعضهما بعضاً، فإن أحدهما جعل جميع أموره تبعاً للآخر، وقام بجميع الأمور في إطار اتباعه له، وكان معه وأخاً له في جميع الشؤون.
وللوصول إلى إجابة موجزة عن السؤال المتقدم، يجدر الالتفات إلى النقاط الآتية:
1. توجد في مراتب الوجود تقسيمات كلية لعوالم الوجود؛ فمنها ما يرتبط بالعوالم السابقة على الخلق، ويُعبَّر عنها بعوالم الألوهية، كعالم الواحدية وعالم الأسماء والصفات وغيرها، ومنها عوالم الخلق، سواء عالم المجردات كالعقول أو غير المجردات.
2. عند الحديث عن هذه المراتب والعوالم، يُنظر إليها أحياناً من زاوية الوحدة والإجمال، وأحياناً أخرى من زاوية الكثرة والتفصيل. فعلى سبيل المثال، قد يُنظر إلى عالم الأسماء من حيث الوحدة والإجمال، حيث تندك جميع الأسماء في اسم واحد، فلا يكون هناك تفصيل ولا تفاضل بينها. وقد يُنظر إليها من حيث تفصيل كل اسم، حيث يكون لكل اسم ظهور خاص، ويكون بينها تفاضل أيضاً؛ فبعضها محيط وبعضها محاط. وهذا الأمر يجري كذلك في سائر العوالم، بل وحتى في عالم المجردات التامة، أي العقول.
3. إن الروايات وكلمات أهل المعرفة، وكذلك كلمات الإمام الخميني (قدس سره)، في بيان مقام وشأن النبي الأكرم (ص) وأمير المؤمنين (ع) والصديقة الطاهرة (س) وسائر الأئمة (عليهم السلام)، ناظرة إلى عوالم الألوهية والخلق ومراتبها؛ فتارةً يكون النظر إلى الوحدة، وتارةً أخرى إلى الكثرة.
4. يضاف إلى ذلك أن رسول الله (ص) صاحب مقام الرسالة والنبوة وصاحب الشريعة، بينما يمتلك الأئمة (عليهم السلام) مقام الوصاية والخلافة عن رسول الله (ص) في إطار الولاية التشريعية.
وبناءً على ما تقدم، فإنه كلما كان الحديث عن مقام التفصيل والكثرة، كان مقام رسول الله (ص) هو الأول والأصل، وكانت مقامات الأئمة (عليهم السلام) تاليةً وتابعةً له.
وعليه، ففي مقام النورانية، عندما يُنظر إلى الإجمال والوحدة، يكون الجميع نوراً واحداً ولا تمايز بينهم. أما عندما يكون النظر إلى التفصيل والكثرة، وتظهر الأنوار المختلفة، فإن مقام الأصل والتابع يبرز بوضوح.
وهذه الحقيقة تقتضي أنه في عالم الملك، وهو مقام التفصيل والكثرة، يظهر النبي محمد (ص) بمقام النبوة والخاتمية، ويظهر الأئمة (عليهم السلام) بمقام الولاية والوصاية، وفي هذا المقام يكون النبي الأكرم (ص) هو الأصل، وهم الفرع والتابعون، وتكون الأفضلية لرسول الله (ص).
وقد ورد في بيان أفضلية النبي (ص) على أمير المؤمنين (ع)، أن رسول الله (ص) قال: إن الله تعالى فضّل الأنبياء والرسل على الملائكة المقرّبين، وفضّلني على جميع الأنبياء والمرسلين، ثم إن الفضل بعدي لك يا علي، وللأئمة من بعدك.
وفي الختام، نكتفي بنقل بعض عبارات الإمام الخميني (قدس سره):
أولاً: كتب الإمام الخميني في شرح الحديث المذكور:
«إن قوله: الفضل بعدي لك وللأئمة من بعدك، إشارة إلى ما ذكرناه من أن مرتبة وجود حضرة علي وسائر الأئمة (عليهم السلام) بالنسبة إلى حضرة الرسول (ص)، كنسبة الروح إلى النفس الناطقة الإنسانية، وأن رتبة سائر الأنبياء والأولياء وسائر القوى أدنى من ذلك...».
ثانياً: «كان هذان العظيمان، النبي وعلي (ع)، معاً ومتّحدين في عوالم الغيب، وفي عالم الشهادة ظهر أحدهما مظهراً لذلك الغيب المطلق في البعثة، وظهر الآخر مظهراً لذلك الغيب المطلق في الإمامة... وكما كانا طوال حياتهما في هذا العالم، وفي جميع الأوقات، معاً وسنداً لبعضهما بعضاً، فإن أحدهما جعل جميع أموره تبعاً للآخر، وقام بجميع الأمور تبعاً له، وكان معه وأخاً له في جميع الشؤون».
ثالثاً: «ولا يعرف قدرها ـ أي قدر ليلة القدر ـ كما ينبغي إلا حضرة خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله)، الذي هو صاحب ليلة القدر بالأصالة، وأوصياؤه المعصومون الذين هم أصحابها بالتبعية».
------------
القسم العربي، الشؤون الدولیة.